أحمد بن علي القلقشندي

204

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الباديّ راعي الإبل ما كان يمرّ شيء من ذلك بفهمه ، ولا يخطر بباله ، ومع هذا ؛ فإنه كان يأتي بالسّحر الحلال إن قال شعرا أو تكلم نثرا . قال : ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا ، وانساق الكلام إلى شيء ذكره لأبي عليّ بن سينا في الخطابة والشّعر ، وذكر ضربا من ضروب الشعر اليوناني يقال له اللوغاذيا ، وقام فأحضر كتاب الشفاء لأبي عليّ ووقفني على ما ذكره ، فلما وقفت عليه استجهلته ، فإنه طوّل فيه وعرّض كأنه يخاطب بعض اليونان ، وكل هذا الذي ذكره لغو لا يستفيد به صاحب الكلام العربيّ شيئا ، ثم مع هذا جميعه فإن معوّل القوم فيما يذكر من الكلام الخطابيّ أنه يورد على مقدّمتين ونتيجة ( 1 ) ، وهذا مما لم يخطر لأبي عليّ بن سينا ببال فيما صاغه من شعر أو كلام مسجوع عمله ، وعند إفاضته في صوغ مصاغه لم تخطر المقدّمتان والنتيجة له ببال ، ولو أنه فكَّر أوّلا في المقدّمتين والنتيجة ، ثم أتى بنظم أو نثر بعد ذلك ، لما أتى بشيء ينتفع به ، ولطال الخطب عليه . قال : بل إن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم ، لم ينظموه في وقت نظمه وعندهم فكرة في مقدمتين ولا نتيجة ، وإنما هذه أوضاع توضع وتطول بها مصنّفات كتبهم في الخطابة والشعر ، وهي كما يقال : قعاقع ليس لها طائل كأنّها شعر الأبيوردي ( 2 )

--> ( 1 ) وهو ما يسمى في المنطق الأرسطي « بالقياس الاقتراني الحملي » وهو قول يتكون من مقدمة كبرى ومقدمة صغرى ونتيجة تلزم بالضرورة عنهما . ( 2 ) قال صاحب الأعلام إنه شاعر عالي الطبقة . وهو محمد بن أحمد القرشي الأموي المتوفى 507 ه . ونسبته إلى « أبيورد » بخراسان . ( الأعلام : 5 / 316 ) .